بين الأمل واليأس: لماذا ينتحر بعض الناس؟

الكاتب : رفيف محمد بني عطيه

صحافة واعلام رقمي
تعد ظاهرة الانتحار من أخطر الظواهر الاجتماعية والنفسية التي تهدد المجتمعات في العصر الحديث، لما تتركه من آثار مؤلمة على الأسرة والمجتمع، ولما تمثله من خسارة كبيرة للإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى وجعل حياته أمانة يجب الحفاظ عليها. والانتحار هو أن يقوم الإنسان بإنهاء حياته بنفسه نتيجة ضغوط أو مشكلات أو أمراض نفسية تدفعه إلى اليأس وفقدان الأمل. ورغم أن هذه الظاهرة كانت تعد نادرة نسبياً في المجتمعات الإسلامية بسبب قوة الوازع الديني والترابط الأسري، إلا أنها بدأت بالانتشار بصورة مقلقة في السنوات الأخيرة، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، وانتشار العزلة والتأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي. موقف منظمة الصحة العالمية وأكدت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن الانتحار من أبرز أسباب الوفاة في العالم، وأن ملايين الأشخاص يعانون سنويًا من أفكار انتحارية أو أزمات نفسية قد تدفعهم إلى إيذاء أنفسهم إذا لم يجدوا الدعم والعلاج المناسب. وهذا يدل على أن المشكلة ليست فردية فقط، بل أصبحت قضية إنسانية ومجتمعية تحتاج إلى وعي وتعاون من الجميع للحد منها. نظرة الإسلام وموقفه من الانتحار إن الإسلام أعطى النفس البشرية مكانة عظيمة، وحرّم قتل النفس تحريماً شديداً، سواء كان القتل موجهاً للآخرين أو للنفس ذاتها. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [سورة النساء: 29]، كما قال النبي محمد ﷺ: "من قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة". ومن خلال هذه النصوص يتضح أن الإسلام ينظر إلى الحياة على أنها نعمة عظيمة لا يحق للإنسان أن ينهيها بنفسه مهما اشتدت عليه الظروف أو ضاقت به الدنيا؛ فالمؤمن الحقيقي يدرك أن الابتلاء جزء من الحياة، وأن الصبر واللجوء إلى الله هما السبيل لتجاوز المحن والصعوبات. رؤية شخصية حول مسببات اليأس ومسؤولية المجتمع ومن وجهة نظري الشخصية، أرى أن الانتحار لا يمكن أن يكون حلاً لأي مشكلة مهما كانت كبيرة؛ لأن الإنسان عندما يفقد الأمل ويستسلم لليأس فإنه يظلم نفسه ويحرمها من فرصة التغيير والفرج الذي قد يأتي في أي لحظة. كما أنني أعتقد أن ضعف الإيمان والابتعاد عن الله من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان يشعر بالفراغ الداخلي واليأس؛ لأن القرب من الله يمنح الإنسان الطمأنينة والقوة والصبر على مواجهة الحياة. وكذلك أرى أن المجتمع يتحمل جزءاً من المسؤولية عندما يهمل الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية أو يسخر منهم بدل مساعدتهم واحتوائهم. الأمراض النفسية ونظرة المجتمع للعلاج وتتعدد الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه، ومن أبرز هذه الأسباب المشكلات النفسية، حيث يُعتبر الاكتئاب من أكثر الأمراض المرتبطة بالانتحار؛ فالشخص المكتئب يشعر بالحزن الشديد وفقدان القيمة والعجز عن الاستمرار، وقد يصل به الأمر إلى الاعتقاد بأن الموت هو الحل الوحيد للهروب من معاناته. والمشكلة الأكبر أن كثيراً من الناس لا يهتمون بالعلاج النفسي بسبب الخوف من نظرة المجتمع أو الجهل بأهمية الصحة النفسية، مما يؤدي إلى تفاقم الحالة حتى تصبح خطيرة. الأزمات الاقتصادية وتأثيرها النفسي كما تلعب الضغوط الاقتصادية دوراً كبيراً في انتشار هذه الظاهرة، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وغلاء المعيشة. فبعض الأشخاص يشعرون بالعجز عن توفير احتياجات أسرهم أو تحقيق طموحاتهم، مما يجعلهم يدخلون في حالة من الإحباط واليأس. وقد زادت هذه الضغوط في السنوات الأخيرة بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية، فأصبح كثير من الشباب يشعرون بأن المستقبل مجهول أو أن فرص النجاح أصبحت محدودة. التفكك الأسري وغياب لغة الحوار ومن الأسباب المهمة أيضاً التفكك الأسري وغياب الحوار داخل العائلة. فالأسرة هي المكان الأول الذي يجب أن يجد فيه الإنسان الحب والدعم والأمان، لكن عندما تتحول الأسرة إلى مصدر للعنف أو الإهمال أو المشكلات المستمرة، يشعر الفرد بالوحدة والانعزال. وقد يؤدي غياب الاهتمام بالأبناء أو عدم الاستماع إلى مشكلاتهم إلى تراكم الضغوط النفسية لديهم حتى يصلوا إلى مرحلة خطيرة. الوجه المظلم لوسائل التواصل الاجتماعي ولا يمكن تجاهل التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت هذه الوسائل جزءاً كبيراً من حياة الناس اليومية، لكنها في كثير من الأحيان تسبب المقارنات السلبية والتنمر الإلكتروني والشعور بالنقص. فبعض الشباب يقارن حياته بحياة الآخرين التي تظهر بصورة مثالية على الإنترنت، فيشعر بالفشل أو قلة القيمة، بينما يتعرض آخرون للتنمر والإهانة مما يؤثر على حالتهم النفسية بشكل خطير. أهمية الوازع الديني في حماية الشباب ومن الأسباب التي أراها مؤثرة جداً ضعف الوازع الديني والابتعاد عن العبادات. فالشخص الذي يحافظ على صلاته وذكره لله وقراءته للقرآن غالباً ما يجد في دينه راحة وطمأنينة تساعده على تحمل الصعوبات. أما عندما يبتعد الإنسان عن الله فإنه يصبح أكثر عرضة لليأس والقلق والخوف. ولذلك فإن تعزيز الجانب الديني في حياة الشباب أمر مهم جداً لحمايتهم من الانهيار النفسي والفكري. التداعيات الخطيرة لظاهرة الانتحار على المجتمع وتؤدي ظاهرة الانتحار إلى آثار خطيرة على المجتمع بأكمله، فهي لا تؤثر على الشخص المنتحر فقط، بل تترك ألماً عميقاً لدى أسرته وأصدقائه. فكثير من العائلات تعيش سنوات طويلة من الحزن والصدمة والشعور بالذنب بعد فقدان أحد أفرادها بهذه الطريقة. كما أن تكرار حوادث الانتحار في المجتمع يؤدي إلى نشر الخوف واليأس، خاصة بين الشباب الذين قد يتأثرون بهذه الأخبار بصورة سلبية. خطورة الأحكام القاسية وأهمية التراحم كذلك فإن تجاهل هذه المشكلة أو التعامل معها بطريقة قاسية يزيد من خطورتها. ففي بعض الأحيان يتم اتهام الشخص الضعيف نفسياً بأنه عديم الإيمان أو ضعيف الشخصية فقط، دون محاولة فهم معاناته أو مساعدته، وهذا الأسلوب قد يدفع الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية إلى الصمت والخوف من طلب المساعدة، مما يزيد احتمال وقوع الكارثة. ورغم أن الانتحار محرّم في الإسلام بشكل واضح، إلا أن بعض الأشخاص يصلون إلى هذه المرحلة بسبب فقدان القدرة على التفكير السليم نتيجة المرض النفسي أو الضغوط الشديدة. ولذلك يجب أن نتعامل مع هذه الظاهرة بوعي ورحمة، وأن نشجع الناس على العلاج النفسي والتحدث عن مشكلاتهم بدل كبتها، فالإسلام دين رحمة وتعاون، وقد أمرنا بمساعدة الآخرين والوقوف بجانبهم في أوقات الشدة. استراتيجيات الحل: التوعية الدينية والنفسية ومن أهم الحلول التي يمكن أن تساعد في الحد من ظاهرة الانتحار تعزيز الوعي الديني، من خلال تعليم الناس أهمية الصبر والرضا والثقة بالله، وأن كل أزمة مهما كانت صعبة ستزول مع الوقت. كما يجب نشر ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية، والتأكيد على أن زيارة الطبيب النفسي ليست عيباً أو ضعفاً، بل خطوة شجاعة لحماية الإنسان لنفسه. دور المؤسسات التعليمية والأسرية والإعلامية كذلك يجب أن يكون للأسرة دور أكبر في احتواء الأبناء والاستماع إليهم؛ لأن الحوار والدعم العاطفي يساعدان الإنسان على تجاوز الكثير من الأزمات. وينبغي أيضاً على المدارس والجامعات تنظيم برامج توعوية حول الصحة النفسية ومخاطر الانتحار وطرق طلب المساعدة. أما وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فعليها مسؤولية كبيرة في نشر المحتوى الإيجابي وعدم الترويج لليأس أو تصوير الانتحار كوسيلة للهروب من المشكلات، كما يجب محاربة التنمر الإلكتروني ونشر ثقافة الاحترام والدعم بين الناس. رسالة أمل وتفاؤل مجتمعي وفي رأيي الشخصي، أعتقد أن الإنسان مهما مر بظروف صعبة يجب ألا يفقد الأمل أبداً؛ لأن الحياة تتغير باستمرار، وما يبدو مستحيلاً اليوم قد يصبح سهلاً غداً، وكما أن اللجوء إلى الله والدعاء والتحدث مع الأشخاص المقربين يمكن أن يخفف كثيراً من الضغوط النفسية، وأرى أن المجتمع يجب أن يكون أكثر رحمة وتفهماً مع الأشخاص الذين يعانون نفسياً؛ لأن الكلمة الطيبة والاهتمام قد ينقذان حياة إنسان. تكاتف الجهود لحماية نعمة الحياة وفي الختام، تبقى ظاهرة الانتحار من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات اليوم، وهي مشكلة تحتاج إلى تكاتف الجميع من أسر ومدارس ومؤسسات دينية وإعلامية من أجل الحد منها؛ فالحياة نعمة عظيمة وهبها الله للإنسان، ولا يجوز التفريط بها مهما كانت الظروف، وكما أن الإسلام يدعو دائماً إلى الصبر والأمل وعدم الاستسلام لليأس؛ لأن بعد كل ضيق فرجاً، ومع كل محنة هناك فرصة جديدة للحياة والأمل.