مضيق هرمز: حين يصبح "عصب العالم" رهينة للحسابات الضيقة

الكاتب : احمد هاشم ابو وردة

اذاعة وتلفزيون
لا يمكن لمن يتأمل خارطة العالم اليوم أن يغفل عن تلك النقطة الجغرافية الصغيرة التي تختزل في طياتها صراعات القوى العظمى وطموحات الأقاليم. مضيق هرمز، هذا الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات، لم يعد في نظري مجرد طريق تجاري، بل أصبح "ساحة شطرنج" عالمية، حيث تتحرك السفن كقطع محكومة بقواعد لعبة سياسية لا ترحم. رؤية وراء الأرقام بينما يكتفي المحللون الاقتصاديون بلغة الأرقام، متحدثين عن 20 مليون برميل نفط يومياً، أرى أن المسألة أعمق من مجرد "تدفقات طاقة". إن هرمز يمثل حالة من "الارتهان المتبادل"؛ فالجميع يحتاجه والجميع يخشاه. من وجهة نظري، يكمن الخطر الحقيقي في تحول هذا المرفق الحيوي من أداة للبناء الاقتصادي إلى وسيلة "للابتزاز السياسي"، مما يضع مصير شعوب بأكملها تحت رحمة قرار متهور قد يتخذ في لحظة احتقان. الجغرافيا كقدر.. والسياسة كخيار لطالما آمنتُ بأن الجغرافيا هي قدر الدول، لكن السياسة هي التي تحدد كيف نتعامل مع هذا القدر. في هرمز، تلتقي جغرافيا ضيقة بسياسات متسعة الطموح. أرى أن الإشكالية لا تكمن في وجود المضيق تحت سيادة دول بعينها، بل في غياب "ميثاق أمن جماعي" يضمن حياد هذا المرفق. إن استمرار التعامل مع المضيق كأداة للتهديد "بالإغلاق" عند كل منعطف سياسي هو ممارسة تنتمي لعصور قديمة، ولا تليق بعالم يدعي الترابط والاعتماد المتبادل. إن ما نراه اليوم من تحشيد عسكري في مياه الخليج ليس حلاً، بل هو تأجيل للأزمة. الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن أمن هرمز يبدأ من التفاهمات على اليابسة، وليس من فوهات المدافع في عرض البحر. البدائل: وهم أم مخرج طوارئ؟ كثيراً ما نسمع عن أنابيب النفط العابرة للصحاري كبدائل للمضيق، لكنني أرى في هذه الطروحات نوعاً من "المسكنات المؤقتة". لا يمكن لأي خط أنابيب، مهما بلغت سعته، أن يعوض الانسيابية والقدرة الاستيعابية التي يوفرها هرمز. لذا، بدلاً من البحث عن طرق للالتفاف حول الجغرافيا، يجدر بنا البحث عن طرق للالتفاف حول "الأزمات" ذاتها. ختاماً، إن نظرتي لمستقبل مضيق هرمز محفوفة بالحذر؛ فهو سيبقى الشريان الذي يغذي العالم، لكنه سيبقى أيضاً "نقطة الضعف" التي يمكن أن ينفذ منها أي اضطراب عالمي. إن حماية هذا الممر ليست مسؤولية الدول المطلة عليه فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وسياسية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره، لضمان ألا يتحول "شريان الحياة" إلى "مشنقة للاقتصاد العالمي".