الكاتب : لوجين زين العابدين علي
اعلام رقمي
أخصائية نفسية لـ"التاج": غياب الحدود يربك الطفل نفسياً
التاج الإخباري - لوجين علي
لم تعد التربية مجرد حب واحتواء، بل أصبحت معادلة دقيقة أضاع الكثير من الأهالي بوصلتها بين الصرامة القديمة والانفلات الحديث، فبين صرخة غضب عابرة وبين إهانة متعمدة، يضيع الخيط الرفيع الذي يفصل بين الشخصية القوية وبين سوء الأدب.
ومن هنا، دقت الاستشارية النفسية الدكتورة حنين البطوش ناقوس الخطر، مؤكدةً أن فهمنا المغلوط لحرية التعبير قد يكون هو السبب الأول في ضياع الضبط الداخلي لأطفالنا.
قناع "التعبير عن النفس".. عندما يختبئ سوء الأدب خلف شعارات التربية الحديثة
نوهت البطوش خلال حديثها مع "التاج الإخباري"، إلى أن الحقيقة النفسية الأعمق تشير إلى احتياج الطفل لمن يرشده ويضع له حدودًا تحميه، وليس فقط لمن يسمعه ويحتويه، مشددةً على ضرورة التمييز بين طفل يعبر عن مشاعره بشكل صحي، وآخر يتجاوز حدود الأدب، واصفةً هذا الفرق بـ "الخيط الرفيع" الذي لا يُرى إلا بوعي نفسي متوازن يدرك أن المشاعر تُحتوى، بينما السلوك يُنظم.
وفي سياق العمل العلاجي، دعت إلى قراءة السياق الذي يخرج منه السلوك وفهم رسالته، بدلًا من النظر إلى الفعل بحد ذاته، قائلةً أن السلوك ليس مجرد رد فعل عابر، بل اعتبرته انعكاساً لمنظومة تربوية وعاطفية كاملة يعيش الطفل داخلها.
المشاعر مقبولة.. والسلوك يحتاج تنظيماً
وأوضحت البطوش خلال حديثها لـ"التاج" أن القاعدة النفسية الأهم التي يجب أن يستند إليها الوالدان، خلال التربية هي: "المشاعر مقبولة دائماً، لكن السلوك يحتاج إلى تنظيم".
كما فرقت بين الطفل الذي يعبر بشكل صحي ويكون سلوكه مرتبطاً بانفعال مؤقت كالغضب أو الحزن، وبين السلوك الذي يتحول إلى نمط متكرر يهدف إلى فرض السيطرة وكسب المواقف، مؤكدة أن الأخير يُعد تجاوزًا للحدود وليس تفريغًا انفعاليًا.
وضربت مثالاً توضيحيًا؛ إذ رأت أن صراخ الطفل غضبًا من رفض طلبه هو تعبير طبيعي، إلا أن تحول الصراخ إلى إهانة وتكراره لإجبار الآخرين على الاستجابة، يعكس غياب الضبط الداخلي لدى الطفل .
"حرية بلا جدران".. كيف يقتل غياب الحدود "أمان" طفلك النفسي؟
من الناحية السيكولوجية، حذرت من أن غياب الحدود لا يمنح الطفل حرية، بل يحرمه من أهم عناصر الأمان النفسي.,مشيرة إلى دراسات حديثة في علم نفس النمو أكدت أن الأطفال الذين نشأوا دون حدود واضحة كانوا أكثر عرضة للاندفاعية وصعوبة ضبط الذات، فضلاً عن مشكلات التكيف الاجتماعي.
ولفتت البطوش في حديث لـ"التاج" إلى أن الحدود تعمل كجدران تحمي الطفل من الفوضى، وأن غيابها يولد حالة داخلية من القلق وعدم الاتزان، وإن ظهر الطفل بمظهر القوي أو الجريء,مبينة أن هذا الخلل يظهر جليًا حين يصطدم الطفل برفض اجتماعي قاسٍ في المدرسة أو المجتمع نتيجة اعتياده على تجاوز القواعد في المنزل.
بين "الوعي" و"التساهل".. هل تمنح طفلك حباً يربيه أم حباً يربكه؟
نوهت الدكتورة على أن الخطأ الأكثر شيوعاً اليوم يكمن في الخلط بين التربية الواعية والتربية المتساهلة.
وأوضحت أن التربية الواعية تقوم على مزيج متوازن من الحب والحدود، في حين تقدم التربية المتساهلة حبًا بلا إطار منضبط، مما يربك الطفل.
ودعت إلى تبني "الأسلوب الحازم الداعم" الذي يجمع بين الدفء العاطفي والوضوح في القواعد، كونه الأسلوب الأكثر ارتباطاً بتنشئة أطفال يتمتعون بصحة نفسية مستقرة.
خارطة الطريق لإنهاء "دكتاتورية الصغار": قواعد ذهبية لا يكسرها الصراخ
رسمت الاستشارية خارطة طريق لإعادة بناء العلاقة مع الطفل "المتسلط"، مؤكدة أن العملية لا تعني كسر الطفل بل بناء حدود واعية.
واقترحت البدء بالفصل بين المشاعر والسلوك، عبر استخدام جمل من قبيل: "أنا أتفهم أنك حزين، لكن لا يصح أن تتحدث بهذه الطريقة".
كما نوهت إلى أهمية وضع حدود ثابتة لا تتغير حسب مزاج الطفل، لأن التذبذب يرسخ لديه فكرة أن الإلحاح هو وسيلة لتغيير القوانين,مشيرة إلى أن هدوء الأهل يلعب دوراً حاسمًا، فالثبات الهادئ يرسخ فكرة أن الحدود ثابتة لا تتزحزح تحت الضغط.
"فاتورة الدلال القاسية".. عندما يدفع طفلك ثمن غياب الحدود "رفضاً وتنمرًا" من العالم
اختمت البطوش حديثها لـ"التاج" رؤيتها بالتأكيد على أن خطورة غياب الحدود تمتد إلى حياة الطفل بأكملها,محذرة من أن الطفل الذي لا يتعلم الضبط في بيئة أسرية آمنة، سيتعلمه من المجتمع بطريقة أكثر قسوة عبر الرفض أو التنمر.
وجزمت بأن التوازن هو جوهر العملية التربوية؛ فلا كبت للمشاعر ولا ترك لزمام القيادة بيد الطفل,معتبرة أن مسؤولية الأهل لا تكمن في إرضاء الطفل الدائم، بل في تربيته ليكون إنساناً متوازناً يعرف حدوده ويحترم الآخرين، ويشعر بالأمان داخل إطار واضح وثابت.